54.8

بسم الله الرحمن الرحيم

 اللهم صلي على حبيبي و جدّي محمد مدينة العلم و المعرفة أكمل البشر و على آله و صحبه و سلم تسليماً كثيراً

لعل الكثير منّا لم يطلع على ما تحمله الأحرف العربية من معانٍ متعددة (و نقصد بهذه الأحرف أحرف الإضافة والعطف و النفي و الجواب …)، فقد يظن البعض أن معرفة معانيها شأن لا يهم إلا أصحاب الاختصاص في اللغة العربية أو أصول الفقه، إلا أنك ستفاجأ عندما تعلم أن معرفة هذه المعاني يصبّ مباشرة في فهم جوهر الرسائل الربانية القرآنية و جوهر العقيدة و السنّة .

فمثلاً : في قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم : { … وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ … } البقرة233

من لم يعرف أن اللام هنا تفيد معنى : (الاختصاص) لن يعلم أن هذا المعنى جاء  بحكم شرعي هو – أن نفقة الولد مترتبة وجوباً على أبيه !- و أمثلة ذلك كثير ..

لذا و من أهمية هذا العلم رأينا أن نكون معكم في سلسلة من بضعة أجزاء نستعرض فيها أهم هذه الحروف و ما لها من معانٍ متعددة تفيدنا في التعمق في فهم أسرار الله تعالى .

 أحرف الإضافة

كنا قد بينّا أنه يراد بها كل حرف يربط معنى الفعل بالاسم، بالإضافة إلى ما يستقل به من الدلالة على معانٍ مختلفة… و نتابع اليوم في شرح معاني الباء المفردة و اللام المفردة .

 (( الباء المفردة ))

من أحرف الإضافة و لها معانٍ كثيرة نذكر أبرز ثمانية معانٍ لها و أكثرها استخداماً، و هي على هذا الترتيب :

الإلصاق : و معناه الدلالة على قبض الشيء من جسمه أي بشكل مباشر، و تستقل الباء في هذا المعنى، فقولك مثلاً أمسكت بزيد يختلف عن أمسكت زيداً، فالأولى تعني التصاق اليد بجسم زيد، أما الثانية فهي أعم و أن الإمساك هنا ممكن بعدة طرق و لا تشترط قبض اليد .

و معنى الإلصاق في الباء المفردة قد يكون حقيقياً أو مجازياً، و مثاله في قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم :

{…وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ…} المائدة 6 فالباء هنا تدل على وجوب إلصاق اليد في موضع مسح الرأس .

المصاحبة : و تعني مصاحبة ما يتصل بالباء بما يسبقها، و مثاله في قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم : {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ} الحجر 46 أي ادخلوها مصحوبين بسلام، و كذلك في قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم : { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ…} النصر 3 أي تسبيحاً مصاحباً لحمد الرب تعالى .

الاستعانة : و هي الباء التي تدخل على آلة الفعل أو وسيلته، و مثاله في قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم : { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الفاتحة 1

و أصلها (بـ اسم) و تعني الاستعانة باسم الله تعالى و ما له من طاقات و فتوحات .

السببيّة : و تفيد تعيين السبب الذي لأجله قام الفعل، و مثاله في قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم : {…إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ…} البقرة 54 أي أنكم ظلمتم أنفسكم بسبب اتخاذكم العجل إلهاً، و كذا في قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم : { فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ…} العنكبوت 40 أي بسبب ذنبه .

الظرفية : و مثالها في قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم : {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ…} آل عمران 123

البدل : أي تدل على الاستغناء بما قبلها عما بعدها فهي بهذا تدخل على المتروك، و مثاله في قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم : { …أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ…} البقرة 61 أي تستغنون عن الخير و تبدلونه بالذي هو أدنى .

التبعيض : و قال بهذا المعنى بعض من علماء العربية، و مثاله في قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم : {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} الإنسان 6 أي يشربون بعضا منها، و ذهب بعضهم إلى أن الباء في قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم : {…وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ…} المائدة 6 من هذا القبيل أي بمعنى امسحوا بعضاً من رؤوسكم و إن كان رأي معنى الإلصاق هو الأرجح .

القَسَم : و هي من أصل حروفه، جاز ذكر الفعل معها و كذا دخولها على الضمير، و مثالها (بك لأفعلن) .

 (( اللام المفردة ))

من أحرف الإضافة و لها معانٍ كثيرة نذكر أبرز ستة معانٍ لها و أكثرها استخداماً، و هي على هذا الترتيب :

الاستحقاق : و هي التي تقع بين معنى و ذات، فتدل حينئذ على استحقاق الذات لهذا المعنى، و مثاله في قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم : {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الفاتحة 2 أي استحقت الذات الإلهية معاني الحمد كلها، و كذا مثاله في قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم : {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} المطففين 1 أي استحق المطففون كذواتٍ الويلَ كمعنى .

الاختصاص : و هي التي تقع بين ذاتين، و مثاله في قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم : { …إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا…} يوسف 78 أي ظهر معنى اختصاص ذات الأب بذات الابن، و كذا مثالنا في مقدمة المقالة .

المُـلك : و تحتاج لقرينة تدل على معنى المُـلك، و مثاله في قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم : {…لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ…} البقرة 255 فالقرينة قائمة على أن ما في السموات و الأرض مملوك لله عز و جل ملكاً حقيقياً .

التعليل : أي تبيان العلّة التي لأجلها كان الفعل، و مثاله في قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم : {…وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ…} النحل 44 أي أنزل الذكر من أجل أن يبيّن للناس .

الظرفية : مثالها في قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم : {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ…} الإسراء 78 أي أقم الصلاة عند دلوك الشمس، و كذلك في قوله عليه الصلاة و السلام و على آله و صحبه أجمعين “صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته” أي عند رؤيته .

الصيرورة أو العاقبة : و هي التي تدل على أن أمراً أعقب شيئاً آخراً، و مثاله في قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم : {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا…} القصص 8 أي أنه كانت عاقبة التقاط آل فرعون لموسى عليه السلام أن أصبح لهم عدواً و حزناً دون أن يخطر في بالهم هذه السببيّة .

 

اللهم ارزقنا علوم القرآن و فهومه و فقهنا في الدين … اللهم آمين

و الحمد لله رب العالمين