hanibalharbmag-50.19

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين حمد الشاكرين الراضين المسلمين لله وأكمل الصلوات وأتم التسليم على سيدنا محمد عبدك ورسولك النبي الأمي الطاهر الزكي صلاة حب وجمال وبركات وخير بقدر حبك له وحبه لك وآله وصحبه وسلم


أما بعد فنتابع في هذه المقالة ما أسلفناه عن زواج المسيار في مقالة العدد السابق

–  منافع ومصالح زواج المسيار :

إن هذا الزواج وعلى الرغم من كثرة التنازلات التي تقدمها المرأة في سبيل الزواج من رجل ترضاه إلا أنه بكل التأكيد يوفر لها بعض الاطمئنان والرضا والحرية الشخصية ، خاصة إذا كانت أرملة ولديها أولاد تريد أن تربيهم دون تدخل بهم من قبل الزوج أو أنها لا تستطيع أن تتركهم وتسكن ببيت زوجها ، كما أنه يؤدي للوصول إلى الاستقرار النفسي للمرأة ويحميها عندما تكون في ظروف معينة مثل : ( العانس والأرملة والمطلقة أو التي تعجز عن إيجاد الزوج المناسب ) من الوقوع في الحرام أو العيش دون زواج و به تصون عفتها من الفتنة .

كما أنه ذو فائدة كبيرة للرجال ذوي الظروف المعينة مثل أن يكون غير قادر على الزواج العادي بسبب ظروفه المادية أو العملية أو لكثرة أسفاره أو بسبب الدراسة خاصة للشباب صغار السن الذين يدرسون في الجامعات و المعاهد ……الخ ، حيث يمنعهم هذا الزواج من الوقوع بالحرام أو التفكير به ويؤدي إلى صيانة عفتهم وحصول السكن النفسي والروحي لهم وتنمية شعورهم بذواتهم .

– المضار التي قد تحصل بسبب زواج المسيار :

– قد يتحول الزواج بهذه الصورة إلى سوق للمتعة وينتقل فيه الرجل من امرأة إلى أخرى ، وكذلك المرأة تنتقل من رجل إلى آخر .

– قد يؤدي إلى الإخلال بمفهوم الأسرة من حيث السكن الكامل والرحمة والمودة بين الزوجين .

– مكن أن يؤدي إلى شعور المرأة بعدم قوامة الزوج عليها مما يؤدي إلى سلوكها بعض السلوكيات السيئة والطائشة فتضر بنفسها وبالمجتمع .

– ربما يؤدي إلى عدم إحكام تربية الأولاد وتنشئتهم تنشئة صحيحة وبسوية متكاملة ، مما يؤثر على تكوين شخصيتهم حين يكبرون ، ولهذه الأضرار المحتملة فإن هذا الزواج ليس هو الصورة المثلى المطلوبة ولكنها تبقى مقبولة للحالات الخاصة التي أسلفنا ذكر بعضها لأصحاب الظروف الخاصة.

– أنواع زواج المسيار الصحيح :

إن لزواج المسيار عند أهل السنة والجماعة نوعين وذلك بحسب مذهبهم في الزواج من جهة الولي في الزواج .

الأول : يشترط فيه رضاء الولي وقبوله تحت طائلة البطلان لهذا الزواج ، كما في المذهب الشافعي  .

الثاني : لا يشترط رضاء وموافقة الولي وعلمه لصحة الزواج لأنه ينعقد برضا المرأة بكراً كانت أم ثيباً ، كونه حق من حقوقها ، وذلك كما في المذهب الحنفي .

– فصل في مناقشة مسألة الولي في الزواج عند كل من الطرفين :

ينعقد نكاح الحرة العاقلة البالغة برضاها وإن لم يعقد عليها ولي بكراً كانت أو ثيباً عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وهو الأصل عندهما ، وعند محمد ينعقد موقوفاً إلا أنه يقول رحمه الله بأن الخلل يرتفع بإجازة الولي ، وقيل أنه رجع لرأي صاحبيه . ووجه الجواز أنها تصرفت في حقها وهي من أهله لكونها عاقلة مميزة ولهذا كان لها التصرف بالمال ولها اختيار الأزواج وإنما يطالب والولي بالتزويج أدباً كيلا تنسب إلى الوقاحة . وعند الشافعي لا ينعقد الزواج إلا بِوَلِيّ .

في المناقشة : يصح مباشرة المرأة العاقلة البالغة الحرة نكاح نفسها دون إذن وليها لقوله تعالى : ( فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ) . وقوله تعالى : ( فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ) .

ووجه الدلالة أنه أضاف النكاح إليهن ولو لم يكن لهن الحق في تزويج أنفسهن لما نهى الولي عن حبسهن عن التزويج وعضلهن عنه ، كما أنه ثبت في الصحيح عن الزهري عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وآله ، أنها زوجت حفصة بنت عبدالرحمن من المنذر بن الزبير وعبدالرحمن غائب بالشام ، فثبت هنا فساد العمل والاستدلال بحديث لا نكاح إلا بولي إذ لو كان صحيحاً لما عملت بعكسه رضي الله عنها .

والقاعدة تقول : والأصل هنا أن كل من يجوز تصرفه في ماله بولاية نفسه يجوز نكاحه على نفسه وكل من لا يجوز تصرفه في ماله بولاية نفسه لا يجوز نكاحه على نفسه . ويدل عليه قوله تعالى : ( حتى تنكح ) حيث أضاف النكاح إليها ومن السنة حديث مسلم ( الأيم أحق بنفسها من وليها ) وهي من لا زوج لها بكراً كانت أو ثيباً ، فأفاد فيه حقين حقه وهو مباشرته عقد النكاح برضاها ، وقد جعلها أحق منه ولن تكون أحق إلا إذا زوجت نفسها بغير رضاه وأما ما رواه الترمذي وحسنه ( أيما إمرأة نكحت بغي إذن وليها فنكاحها باطل ) وما رواه أبو داود ( لانكاح إلا بولي ) فضعيفان أو مختلف في صحتهما فلن يعارضا المتفق على صحته .

قال البخاري وابن معين : لم يصح في هذا الباب حديث يعني على اشتراط الولي ولنا في قوله تعالى ( فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن ) وقوله تعالى ( فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ) وقوله تعالى ( حتى تنكح زوجاً غيره ) وقوله تعالى ( فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله ) . وهذه الآيات تصرح بأن النكاح ينعقد بعبارة النساء ، لأن النكاح المذكور فيها منسوب إلى المرأة من قوله أن ينكحن وحتى تنكح ، وهذا صريح بأن النكاح صادر منها ، وكذا قوله تعالى : فيما فعلن و أن يتراجعا ، صريح بأنها هي التي تفعل وهي التي ترجع .

الخاتمة :

الزواج فطرة إنسانية وحاجة أساسية لسعادة الإنسان من حصول السكن النفسي والمودة والرحمة بين الأزواج ، كما لا يخفى على بالغ أن اللذة الحاصلة في النكاح هي من أعظم الملذات ولا يوجد لذة معروفة أعظم منها إلا لذة النظر إلى وجه الله الكريم في الجنة ، وهي من الملذات التي عجلها الله لعباده في الدنيا قبل الآخرة رحمة منه ومناً وكرماً ، لذلك أنصح الأهالي بأن ييسروا أمور زواج أبنائهم وبناتهم وأن يعجلوا به ولا يغالوا بالمهور والطلبات في زمن أهله يعانون الفقر والكساد الاقتصادي والفساد الأخلاقي المستشري بسبب قلة الدين وضعف الخلق الذاتي والاجتماعي عموماً ، وأوصيهم بتزويج بناتهم وأبنائهم ممن يحبون وعدم العضل وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم وآله ( لم أجد للمتحابين مثل الزواج ) أو كما قال حتى لا يخسروا أبنائهم وكي لا تحدث بينهم أي كراهية أو ضغينة نتيجةً لذلك .

كما أن ظهور هذا الزواج وانتشاره والرضاء به كحل يساهم في انضباط المجتمع خلقياً ويعالج الكثير من العقد النفسية الحاصلة لدى البعض بسبب عدم الزواج .

كما أنه يجب على المجتمع نبذ العادات والتقاليد البالية التي ملأت بالعفن النتن والتي تخالف الدين و الشريعة الإسلامية السمحاء ، فالمسلم من سلم أمره لله ورسوله ورضي بما أمروا به وأقروه من أحكام وما أباحوه ، ومنه زواج المسيار فطالما ثبتت شرعيته فيجب على الجميع الرضا به والتسليم وعدم الحرج لأنه أمر شرعي مباح بل وقد يكون سنة حسنة ، ولا يجب أن ننس قوله تعالى : (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمَا )

فمن يجد حرجاً في تطبيق مسألة شرعية فلينتبه إلى إيمانه فإن الله أقسم بأنهم غير مؤمنين، من يجدون حرج فيما يقضي الله ورسوله ، بل وإن لم يسلموا وتسليما بالإطلاق ، يعني ما في مجال تفكر وتتردد .

فانظروا إلى أنفسكم أيها الآباء ولا تتناسوا مشاعر أبنائكم وبناتكم وكونوا رحماء بهم ولا تحيجوهم أن يخرجوا عن طوعكم ، وإلا فلا تلوموا إلا أنفسكم .

ساعدوا شباب الإسلام المؤمنين القابضين على الجمر بسبب تدينهم على العفاف والاستقرار النفسي ، ولا تنسوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) .

 

 والله يقول الحق وهو يهدي السبيل والحمد لله رب العالمين