58.3
بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلي على سيدنا محمد إمام الأولياء وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً

إن لصحبة الصالحين أثر كبير في صلاح النفوس , والإطلاع على سيَرهم وحياتهم وحكمهم لَهُوَ موعظة وشحذ للهمم حتى نصل إلى المولى عز وجل بقلب سليم , ونكمل اليوم مع الشيخ الجليل الفضيل بن عياض .

الفضيل بن عياض – 178 للهجرة
الفضيل بن عياض، أبو علي أحد الأقطاب، ولد بخراسان بكورة أبيورد، وقدم إلى الكوفة وهو كبير فسمع بها الحديث، ثم تعبد وانتقل إلى مكة، وجاور بها إلى أن مات سنة سبع وثمانين ومائة.
وكان شاطراً يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس، وسبب توبته أنه كان يعشق جارية، فبينما هو ذات يوم يرتقى الجدران إليها، إذ سمع تالياً يتلو :

(( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ … )) 16 الحديد

فقال : ” بلى والله يارب قد آن ” . ثم تاب .

من كلامه : ” إذا أحب الله عبداً أكثر همه – أي بأمر أخرته – وإذا أبغض الله عبداً أوسع عليه دنياه “.
وقال : ” خمس من علامات الشقاء : القسوة في القلب، وجمود العين، وقلة الحياء، والرغبة في الدنيا، وطول الأمل ” .
وقال : ” من أظهر لأخيه الود والصفا بلسانه، وأضمر العداوة والبغضاء، لعنه الله وأصمه، وأعمى بصيرة قلبه ” .
وقال: ” ما أدرك – عندنا – من أدرك بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن بسخاء النفس وسلامة الصدر، والنصح للأمة “.

وقال: ” من عرف الناس استراح ” . أي في أنهم لا يضرون ولا ينفعون.
وقال لرجل : ” لأعلمنك كلمة خير من الدنيا وما فيها والله ، إن علة الله منك إخراج الأدميين من قلبك، حتى لا يكون في قلبك مكان لغيره , لم تسأله شيئاً إلا أعطاك “.
وقال : ” إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار، فأعلم أنك محروم بذنوبك “.
وقال : ” أصلح ما أكون أفقر ما أكون , وإني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي “.
وقال : ” يأتي على الناس زمان إن تركتهم لم يتركوك، وهو زمان لا يبق فيه أحد يستريح إلا القليل “.
وروى أن الرشيد قال له يوماً : ” ما أزهدك ” فقال : ” أنت أزهد مني ” قال: ” وكيف ذاك؟ ” قال : ” لأني أزهد في الدنيا، وأنت تزهد في الآخرة, والدنيا فانية، والآخرة باقية “.
ومن إنشاداته:

إنا لنفرح بالأيام ننفقــــــــــــــــها     وكل يوم مضى نقص من الأجـل
فأعمل لنفسك قبل الموت مجتهداً     فإنما الربح والخسران في العمل

وقال : ” أنا – منذ عشرين سنة – أطلب رفيقاً , إذا غضب لم يكذب علي ” .
وقال : ” إن فيكم خصلتين هما من الجهل : الضحك بغير عجب، والتصبح من غير سهر ” أي النوم أول النهار، لأنه وقت ذكر، ثم وقت طلب للكسب..
وقال : ” أتى علي وقت، لم أطعم فيه ثلاثة أيام، وإذا مجنون أقبل، وهو ينظر إلي ويقول:

محل بيان الصبر منك عزيز   فيا ليت شعري   هل لصبرك من أجر
فقل: لولا الرجاء لم أصبر , فقال لي: وأين مسكن الرجاء منك ؟، فقلت: موضع مستقر هموم العارفين , فقال: والله أحسنت إنما هو قلب الهموم عمرانه ، والأحزان أوطانه , عرفته فاستأنست به ، وأحببته فارتحلت ” .

وكانت قراءة الفضيل حزينة ، شهيرة به ، مترسلة ، كأنه يخاطب إنسانا، وكان إذا مر بآية فيها ذكر الجنة والنار تردد فيها وسأل.
وكان يُلقى له حصير بالليل في مسجده ، فيصلى من أول الليل حتى تغلبه عيناه ، فيلقي نفسه على الحصير ، فينام قليلا ثم يقوم ، فإذا غلبه النوم نام ثم يقوم ، وكذلك حتى يصبح.
وقال أبو علي الرازي : ” صحبت الفضيل ثلاثين سنة، ما رأيته ضاحكاً ولا مبتسماً، إلا يوم مات ابنه علي فقلت له في ذلك، فقال: إن الله أحب أمراً فأحببت ذلك الأمر “.
قال ابن عيينة : ” ما رأيت أحداً أخوف من الفضيل وابنه “.

قال الفضيل : ” بكى ابني علي ، فقلت ما يبكيك ؟ فقال يا أبت , أخاف ألا تجمعنا القيامة” . وكان ابنه علياً يصلي حتى يزحف إلى فراشه ، ويقول : ” يا أبت! سبقني العابدون “.