58.4
بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلي على سيدنا محمد شعلة النور و منارة الهدى و على الآل و الصحب و التابعين و المحسنين أجمعين

إن لنا في هدي رسول الله عليه الصلاة و السلام و سيرة السلف الصالح من صحابة و تابعين و محسنين أسوة حسنة و نماذج مضيئة في حسن الخلق و العمل و السلوك , كلما اتبعناها كلما ارتقينا أكثر إلى محاسن الكمال و سِرنا أسرع على الدرب وصولاً إلى التحقق بأعلى درجات العبودية و مقامات الإحسان و حتى نلقى ربنا بقلب سليم .

و هنا نلقي ومضة من النور على خُلق من الأخلاق أو وصف من الأوصاف التي تحلّى بها السلف الصالح و اجتهدوا في تحصيلها علّها تكون لمن يقرأها شمعة منيرة وسط ظلمات العصر .

 قال تعالى :  بسم الله الرحمن الرحيم

{ … فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ (3) } الزمر .

{ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } البينة 5 .

{ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {162} لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } {163} الأنعام .

سورة الإخلاص : ” قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ {1} اللَّهُ الصَّمَدُ {2} لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ{3} وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ {4} .

 تعريف الإخلاص :

قال الشيخ محمد جمال الدين القاسمي الدمشقي : ” الإخلاص يضاده الإشراك فمن ليس مخلصاً فهو مشرك إلا أن الشرك درجات , و قد جرى العرف على تخصيص اسم الإخلاص بتجريد قصد التقرب إلى الله تعالى عن جميع الشوائب فإذا امتزج قصد التقرب بباعث آخر من رياء أو غيره من حظوظ النفس فقد خرج عن الإخلاص ” موعظة المؤمنين ص 344 .

عن أبي عثمان رحمه الله تعالى قال ” : الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق ” .

قال الإمام البنا : ” الإخلاص هو قصد المسلم بقوله و عمله و جهاده كله وجه الله و ابتغاء مرضاته و حسن مثوبته ، من غير نظر إلى مغنم أو منفعة أو مظهر أو جاه أو لقب أو تقدم أو تأخر ليكون المخلص جندي فكرة و عقيدة لا جندي غرض أو منفعة ” .

قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى : ” ترك العمل من أجل الناس رياء ، و العمل من أجل الناس شرك ، و الإخلاص أن يعافيك الله منهما ” الرسالة القشيرية ص 95 – 96 .

قال الشيخ عبد القادر عيسى رحمه الله تعالى : ” إن الإخلاص تصفية العمل من العلل و الشوائب , سواء أكان مصدرها التعلق بالخلق , كطلب مدحهم و تعظيمهم و الهرب من ذمهم , أو كان مصدرها التعلق بالعمل , كالاغترار به , وطلب العوض عنه ” حقائق عن التصوف ص 325 .

قال الإمام الجنيد رحمه الله تعالى : ” الإخلاص سر بين الله و بين العبد ، لا يعلمه ملك فيكتبه و لا شيطان فيفسده و لا هوى فيميله . “

يقول الشيخ إبراهيم بن أدهم : ” الإخلاص هو صدق النية مع الله تعالى” .

 عن أهمية الإخلاص :

قال مكحول رحمه الله تعالى : ” ما أخلص عبد أربعين يوماً إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ” .

قال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى : ” إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس و الرياء ” الرسالة القشيرية ص 95 – 96 .

قال الشيخ محمد جمال الدين القاسمي الدمشقي : ” الإخلاص يضاده الإشراك فمن ليس مخلصاً فهو مشرك إلا أن الشرك درجات , …… فليكن العبد شديد التفقد و المراقبة لهذه الدقائق و إلا التحق بأتباع الشيطان و هو لا يشعر ” . ” موعظة المؤمنين ص 344 – 345 .

قال الشيخ عبد القادر عيسى رحمه الله تعالى : ” جاءت الأحاديث الشريفة توجه العبد إلى الإخلاص في جميع أعماله … و تبين أن كل عمل لم يتصف بالإخلاص لله تعالى فهو مردود على صاحبه , و توضح أن الله تعالى لا ينظر إلى ظاهر أعمال العبد بل ينظر إلى ما في قلبه من النوايا و المقاصد ” حقائق عن التصوف ص 313 .

 أمثلة في الخروج عن الإخلاص :

(عن محمود بن لبيد قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ” أيها الناس إياكم وشرك السرائر ” قالوا : يا رسول الله ، وما شرك السرائر ؟ قال : ” يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهدا لما يرى من نظر الناس إليه ، فذلك شرك السرائر ” ) رواه ابن خزيمة في صحيحه .

(عن أبي أمامة الباهلي ، قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ، ماله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لا شيء له ” فأعادها ثلاث مرات ، يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لا شيء له ” ثم قال : ” إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا ، وابتغي به وجهه ” ) أخرجه النسائي في السنن .

( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” قال الله تبارك وتعالى : أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري ، تركته وشركه ” ) صحيح مسلم .

قال الشيخ محمد جمال الدين القاسمي الدمشقي رحمه الله تعالى : ” و مثاله أن يصوم لينتفع بالحمية الحاصلة بالصوم مع قصد التقرب أو يحج ليصح مزاجه بحركة السفر … أو يعود مريضاً ليعاد إذا مرض … أو يفعل شيئاً من ذلك ليعرف بالخير و يذكر به , و ينظر إليه بعين الصلاح و الوقار , فمهما كان باعثه التقرب إلى الله تعالى و لكن انضاف إليه خطوة من هذه الخطوات حتى صار العمل أخف عليه بسبب هذه الأمور فقد خرج عمله عن حد الإخلاص , و خرج عن أن يكون خالصاً لوجه الله تعالى و تطرق إليه الشرك ” موعظة المؤمنين ص 344 – ص 354 .

 مراتب الإخلاص :

تحدث عنها العديد من العارفين و منهم ابن عجيبة رحمه الله تعالى في ” إيقاظ الهمم في شرح الحكم ” حيث قال أنها على 3 درجات كما يلي :

فإخلاص العوام : هو إخراج الخلق من معاملة الحق مع طلب الحظوظ الدنيوية و الأخروية كحفظ البدن و المال و سعة الرزق و القصور و الحور .

و إخلاص الخواص : طلب الحظوظ الأخروية دون الدنيوية .

و إخلاص خواص الخواص : إخراج الحظوظ بالكليّة , فعبادتهم تحقيق العبودية و القيام بوظائف الربوبيّة محبة و شوقاً إلى رؤيته , كما قال ابن الفارض :

                               ليس سؤالي من الجنان نعيماً           غير أني أحبها لأراكا    

 دقائق و ملاحظات يجب الانتباه إليها حتى نتحقق بالإخلاص لله تعالى حقاً و على أكمل وجه :

يجب أن لا ينحجب العبد عن ربه بنفسه أو برؤية إخلاصه :

فلا يجوز للنفس أو للعبادة أن تحجب العبد عن ربه المعبود .

يقول الشيخ عبد القادر عيسى رحمه الله تعالى : ” الأقوال و العبارات المتنوعة في الإخلاص ترجع إلى مقصد واحد و هو أن لا يكون للنفس حظ في عمل من الأعمال التعبدية , الجسمية منها و القلبية و المالية , و أن لا يرى إخلاصه ” حقائق عن التصوف ص 312 .

قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله تعالى : ” حق المخلص أن لا يرى إخلاصه و لا يسكن إليه , فمتى خالف ذلك لم يكمل إخلاصه , بل سماه بعضهم رياء ” الرسالة القشيرية ص 95 – 96 .

قيل :” من شهد في إخلاصه الإخلاص احتاج إخلاصه إلى إخلاص ؛ فنقصان كل مخلص في إخلاصه بقدر رؤية إخلاصه ، فإذا سقط عن نفسه رؤية الإخلاص صار مخلِصاً مخلَصاً ” .

ويقول الشيخ الجنيد البغدادي : ” الإخلاص : هو ارتفاع رؤيتك وفناؤك عن فعلك .”

ويقول الشيخ أبو الحسن الشاذلي : ” حقيقة الإخلاص : هي نسيان كل مذكور سوى المعبود ” .

يجب أن لا تنحجب عن ربك بطلبك لمقام أو لمكاشفة أو لحال معين من الأحوال :

” يقول العارف الكبير الشيخ أرسلان رحمه الله تعالى ناصحاً كل ملتفت إلى غير مطلوبه و محبوبه و مقصوده : ” يا أسير الشهوات و العبادات , يا أسير المقامات و المكاشفات أنت مغرور ” و إنما كان أسيرها لأنها من جملة الأغيار و من عالم الخلق , فالوقوف عندها قاطع عن الوصول إلى معرفة خالقها تعالى ” , قال تعالى : ( وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى ) ” حقائق عن التصوف ص 321-322 .

و يقول الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله تعالى معلقاً على كلامه : ” إذ لو كنت صادقاً ما التفت إلى شهوة أو عبادة , و لا مقام و لا مكاشفة , و لأفردت القصد إليه تعالى وحده دون جميع ما عداه , و لجردت العزم و الهمة فيه تعالى , و تركت ما سواه ” خمرة الحان و رنة الألحان شرح رسالة الشيخ أرسلان الدمشقي لعبد الغني النابلسي رحمه الله تعالى ص 29 .

 ليس هذا كل شيء عن الإخلاص … فكلام العلماء و العارفين فيه أكثر من أن يحصى , لكن يبقى من المهم أن نذكر أن مَن أراد أن يتحقق بالإخلاص حقاً فلا بد له من شيخ مرشد عالم عارف ليأخذ بيده و يرشده و يقومه :

” و الحاصل لا يمكن الخروج من النفس و التخلص من دقائق الرياء من غير شيخ أبدا . و الله تعالى أعلم ” إيقاظ الهمم في شرح الحكم ج1- ص25 – 26 .

” و أما حظ النفس من العمل , فلا يعرفه إلا أهل البصائر من العارفين ” حقائق عن التصوف ص 325 .

 اللهم ارزقنا الإخلاص في مقام الإحسان و حققنا به بفضلك , و اجزي عنا سيدنا محمد و آله و أصحابه المخلصين و التابعين أجمعين خير الجزاء

و الحمد لله رب العالمين