hanibalharbmag-52.1

بسم الله الرحمن الرحيم

 الصلاة و السلام على نور الهدى الحبيب الكامل جدّي محمد عليه و على آله و صحبه الأبرار الأطهار و سلم اللهم تسليما كثيرا

 

أكرمنا الله تعالى بزيارة بيته الحرام و أغنانا و طهرنا في حياض اسمه الغني القدوس فكنا وفد الشام إليه ،و فتح لنا و أمدنا بإكرامات ربوبيته بصحبة شيخنا الجليل العارف بالله هانيبال يوسف حرب حفظه الله.

و فتح الله لشيخنا الجليل في تلك الديار المقدسة في مدينة حبيبي محمد عليه الصلاة و السلام و مكة المكرمة فأكرمنا على يده بأسرار و أنوار من (سورة الكهف) و التي جاء في فضلها (أن من قرأها يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين)،و (من قرأها يوم الجمعة كانت له نورا إلى العرش من جمعته إلى جمعته)….اخترت لكم مما سمعت عن مولانا حفظه الله منها هذا السر راجية المولى له فتحا ربانيا مطلقا.

في علم الزينة و سر الباقيات الصالحات :

حدثنا العلّامة د.هانيبال يوسف حرب في مجلس العلم المبارك في مكة المكرّمة عن علم الزينة فقال في ذلك :

إن من أسرار الله تعالى في أكوانه أنه ما من مخلوق خلقه تعالى إلا و جعل له زينته الخاصة،فجعل زينة السماء الدنيا الكواكب،و زينة الإنسان اللباس، وزينة الأرض نباتها “إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً” ،و زينة الحياة الدنيا المال و البنون “الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا”،ومن زين الحياة كذلك القناطير المقنطرة و حب الشهوات من النساء….

و كذا فاعلم أن الزينة بارزة محلها الظاهر لأن وظيفتها التجميل و لا تدخل في ذاتية الكائن ،مثالها زينة السماء الدنيا التي هي الكواكب نجد وقوع هذه الزينة على السماء الدنيا أي قبل السموات السبعة.

 و بيّن الله تعالى أن هذه الزينة فانية واهية ،فقال حبيبي عز و جل من قائل :

” وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً ” الكهف 45

فاعلم أنه إذا كانت الحياة الدنيا هي مطلبك و هي الأصل عندك فإن زينتها و هي (نبات الأرض) هو الهشيم أي الهش المحطم ،شبهه الله تعالى بشيء احترق فصار خفيفا هشا محطما ،و ذلك أن الزينة هي فرع هشيم عن أصل هشيم هو الحياة الدنيا ،أي هو بناء وهم على وهم،و كذا فإن من يبني بالمال و البنون و هي قدرات متوهمة في الحياة الدنيا الفانية أصلا إنما يبني وهم الوهم و يبني بفرع عن أصل هشيم.

و في هذا الفهم كذلك ضرب لنا الله تعالى مثلا عن رجلين،الأول يمتلك قدرة واهية فيه قال تعالى:” أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً” و هذه القدرة التي تباهى بها أمام الرجل الثاني هي قدرة متوهمة لأنها خارجة عن ذات الرجل،و ذلك ليفهمنا الحق تعالى أن القدرة الحقيقة هي القدرة الذاتية الإيمانية الباطنة التي امتلكها الرجل الثاني فقال:” لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً”.

و ينقلنا شيخنا العلّامة هانيبال يوسف حرب بما فتح له الله من علم مخصوص إلى حضرة جديدة في سورة الكهف و هي حضرة الباقيات الصالحات، حيث أن الله تعالى يشهدنا (حضرة الفناء) التي عرض لنا فيها مشهد فناء الزينة و وهم الحياة الدنيا و القدرات الموهومة ،لينقلنا إلى (حضرة البقاء) و هي الصورة المقابلة في الباقيات الصالحات فيقول حبيبي عز و جل:

” الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ” الكهف 46

و قد سؤل حبيبي محمد عليه الصلاة و السلام و الآل عن الباقيات الصالحات فقال : ” سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر هن الباقيات الصالحات”،و لنا هنا وقفة مع ما وصفت به طاقة هذه الكلمات حيث وصفت بطاقة (البقاء) و طاقة (الصلاح)، فأي الوصفين أعلى مقاما ؟طاقة الصلاح أم طاقة البقاء ؟

و قبل أن نجيب عن السؤال أفرد لنا شيخنا العلامة هانيبال يوسف حرب في هذا فهما خاصا عن المقامات فقال أننا لو نظرنا لـ (مقام الرحمة) مثلا لوجدناه (مقاما مشتركا) أي أنه يشترك بوصف الرحمة الله تعالى من وجه كما أنه يصح وصف العبد به من وجه آخر فنقول فلان رحيم ،و كذلك الكرم و العزة،أما عن (مقام الألوهية) فإنه (مقام إلهي) حصرا و لا يكون مقاما لعبد، و كذلك يكون مقام البقاء فالبقاء لله وحده “كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ”،و من المقامات ما هو (مقام عبودية) محض لا يتصف به الله سبحانه و تعالى مثاله (مقام الفناء) فهو مقام للعبيد فالعبيد فانية.

و لا شك أن مقامات الألوهية هي الأعلى من بين المقامات مرْتَبَة،و عليه نعود لمقام البقاء و الصلاح فنجد أن البقاء أعلى من الصلاح في هذا الفهم فالأول مقام إلهي و الثاني مقام مشترك ، فإنه قد يتصف بالصلاح ما هو فانٍ أصلا،أما الباقي فهو صالح لزوما لسبوحيّة وصف هذا المقام الإلهي.

و لكن كيف وصف الله تعالى بضع كلمات في (التسبيح و الحمدلة والتهليل و التكبير) بوصف إلهي محض فأعطاها صفة البقاء؟

ففي هذا نقول أن الله تعالى هو الفاعل أبدا وله الفاعلية المطلقة،و تنفعل عنه صور الأكوان كلها،فشاء الله تعالى الباقي الفاعل أن تكون صورة بقائه المنفعلة عن فاعليته الباقية هي (الباقيات الصالحات).

فعلِمنا أن كل الصور إنما هي حضرة فناء بما فيها صور الأرض و الحياة و زينتها ،و أننا نغنم بذكر الباقيات الصالحات حضرات البقاء الصالح في جنات عرضها السموات و الأرض، رزقنا الله و إياكم سكناها.

 

و شكر الله لسماحة علَّامة الديار الشامية الشيخ العارف بالله د.هانيبال يوسف حرب

على ما لقننا من أسرار و علوم القرآن الكريم

و الحمد لله رب العالمين