مجلة كلمة الله تعالى

(الأخضر – بقلم : الدكتورة رفيف صفاف – العدد (48

hanibalharbmag-49.1

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلَّ على حبيبي و جدّي محمد سيد العالمين و أكمل البشر و آله و صحبه و سلم تسليما مطلقا

بإشراقة الأرض بنور ربها أبصرَت المخلوقات الأنوار الملونة من حولها و شهدت الصور ،و تأملت إبداع الكون بألوانه الأخاذة الذي تجلى عن البديع الله بكل معاني الجمال فشاء الله أن يكون كونه ملونا…

سنكون إن شاء الله في سلسلة قصيرة نستعرض فيها الألوان في الأكوان :

الأخضر في الموروث الفكري الشعبي :

* الأخضر هو لون (الخصب و الرزق) في اللغة العربية ،كما أنه لون(الشباب والغضاضة) ،و أشار اللون الأخضر إلى (السلام و الإخلاص ) .

* و وصف الشخص بأنه “أخضر” أي كثير الخيرات ،و قالت العرب هم”خضر المناكب” أي في خصب عظيم، ويشار فيه إلى عدم النضج و في هذا المعنى سمّيت المرأة التي لا تكاد تتمّ حملاً إلا و تسقطه بـ “الخضيّرة”،و تسمى الدواجن بـ “الخضراء من الطيور” دلالة على خصوبة ما تعطيه من البيض و اللحوم ،و سمّت العرب الليل بـ “أخضر الجناحين”… و جاء في الموروث الشعبي وصف “القدم الخضراء” أي التي تجلب السعد،و “اليد الخضراء” أي الكريمة،و “السَنة الخضراء” أي المخصبة ذات الخير،و يقال في اللهجات العامّية أخذ “الضوء الأخضر” أي الأمان و الإذن.

* و كانت أرضيات معابد المصريين من حجارة خضراء رمزا لمروج النيل الخضراء،كما كانت النساء في عصر الفراعنة تصبغ شعرها بلون مائل للاخضرار ،و اعتقدت الشعوب القديمة أن الحجارة الكريمة الخضراء تجلب الخصب و النماء،و في الموروث المسيحي هو من الألوان المفضلة كما أنه يستعمل ليشير إلى البعث في عيد الفصح.

* أما في الموروث الإسلامي نجد الإكثار من اللون الأخضر في كل ما يتعلق بمجالات الفن الإسلامي خاصة الخزف الإسلامي و القيشاني (والقيشاني:نسبة إلى مدينة قيشان الفارسية ،هوعبارة عن خزف مغطى بقشرة رقيقة ملونة ومرسومة و من ثم تغطى بطلاء زجاجي شفاف براق للوقاية) ، و هذا اللون مرتبط بعالم (الروح و الولاية) فنجده على أضرحة الأولياء و الصالحين،كما اعتمّ به الصحابة أسوة بحبيبي محمد صلى الله عليه و آله و سلم.

* و استعمل اللون الأخضر في العلاجات كما في مدرسة (العلاج بعلم طاقات رقائق النور الحرفية) مع اختلاف خصائصه و رقائقه العلاجية ،و هو معروف بدوره في تخفيف التوتر و التهدئة ،و حين يكون اللون أخضرا منعشا فإنه يكون فاتح للشهية لأنه يجعل الطعام يبدو طازجا أكثر،على عكس اللون الأخضر المصفر الذي يجعل الطعام يبدو و كأنه عفِن لذا نحذر من استعماله في ديكورات المطاعم و المطابخ…

 

الأخضر (خليفة الألوان) في الموروث الروحي الإسلامي:

ترى ماذا أراد الله تعالى من معنى الخَضار في قرآنه الكريم و سنّته الشريفة ،لنستعرض سوية بعضا من دلالات الأخضر:

قال حبيبي عز و جل من قائل :

بسم الله الرحمن الرحيم

*{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [الحج : 63]

و اخضرار الأرض هنا يشير إلى أن الحياة دبّت فيها و نمت ،و اللون الأخضر هو أنسب الألوان لمعنى الحياة و النماء و العطاء.

*{عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان : 21]

ورد وصف لباس أهل الجنة في أكثر من آية بأنه الحرير الأخضر اللون، و (السندس هو الحرير الرقيق) أما (الإستبرق فهو الحرير الثخين)،و هذا دليل النعماء التي هم فيها.

*{مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} [الرحمن : 76]

و (الرفرف رياض الجنة) و هنا بمعنى (فضول المجالس والبسط والفرش) أما (العبقري فهي الزرابي)،فجاء وصف أفضل مجالس أهل الجنة باللون الأخضر.

 

و ورد اللون الأخضر في السنّة الشريفة في كثير من أحاديث الرسول عليه أتم الصلاة و التسليم فجاء في بعض منها:

* ورد في صحيح البخاري: أن حكيم بن حزام رضي الله عنه ، قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأعطاني ، ثم سألته ، فأعطاني ، ثم سألته ، فأعطاني ثم قال : ” يا حكيم ، إن هذا المال خضرة حلوة ، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه ، كالذي يأكل ولا يشبع ، اليد العليا خير من اليد السفلى ” .

و المال الأخضر هنا يشير لمعنى كثرة الخيرات و البركة فيه ،و إلى خصوبته إذا أخذ بسخاوة نفس،و في نفس المعنى و الإشارة و رد حديث أن ” الدنيا خضرة حلوة” .

* و جاء في صحيح مسلم:سألنا عبد الله عن هذه الآية : “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون” قال : أما إنا قد سألنا عن ذلك ، فقال : ” أرواحهم في جوف طير خضر ، لها قناديل معلقة بالعرش ، تسرح من الجنة حيث شاءت ، ثم تأوي إلى تلك القناديل ، فاطلع إليهم ربهم إطلاعة ”

فأشار باللون الأخضر هنا إلى معنى الحياة الأبدية التي يحياها الشهداء و الأخضر أنسب الألوان لمعنى الحياة و تجددها.

* و جاء في سنن الدارمي: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” اللبن الفطرة ، والسفينة نجاة ، والجمل حزن ، والخضرة الجنة ، والمرأة خير ”

و صفت الجنة بكل ما فيها من نعيم بالخضرة فناب معنى الخضار عن كل عطاءات الجنة و خصبها.

* و جاء في مصنف ابن شيبة في كتاب الجنة: ، عن ابن سابط ، قال : أنبئت أن عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين قوم على منابر من نور , ووجوههم نور , عليهم ثياب خضر تغشى أبصار الناظرين , ليسوا بأنبياء ولا شهداء , قوم تحابوا في جلال الله حين عصي الله في الأرض *

هؤلاء القوم الذين تحابوا في الله في الزمن الذي سادت فيه المعاصي و صفوا بأنهم لابسين للون الأخضر على يمين الرحمن،و هذا يذكرنا بوصفه تعالى لملابس أهل الجنة الخضراء إشارة منه عليه السلام للنعماء التي هم فيها.

* جاء في المعجم الأوسط للطبراني: عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن لله عز وجل لوحا من زبرجد خضرا ، جعله تحت العرش ، كتب فيه : أنا الله ، لا إله إلا أنا ، أرحم الراحمين ، خلقت بضعة عشر وثلاثمائة خُلُق ، من جاء بخُلُق منها مع شهادة أن لا إله إلا الله ، دخل الجنة ”

و هذا اللوح إنما هو اللوح المحفوظ ،و (الزبرجد حجر كريم لونه أخضر زيتوني و يتميز بكونه براقا)..فشاء الله أن تكتب كل المقدرات على لوحه الزبرجدي الأخضر لتحيا أبدية بكل معاني الحياة في اللون الأخضر.

أحيا الله قلوبكم بالحب الأخضر الحي الخصبِ العطاءات و الفتوح

و الحمد لله رب العالمين

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى